ابن عجيبة
201
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ أي : خلقنا أباكم آدم طينا غير مصور ، ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ أي : صورنا خلقة أبيكم آدم . نزّل خلقه وتصويره منزلة خلق الكل وتصويره ؛ لأنه المادة الأصلية ، أي : ابتدأنا خلقكم ثم تصويركم بأن خلقنا أباكم آدم ، ثم صورناه ، ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ تعظيما له ، حيث وجد فيه ما لم يوجد فيهم ، واختبارا لهم ليظهر من يخضع ممن لم يخضع ، فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ لآدم . قالَ له الحق تبارك وتعالى : ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ أي : أن تسجد ، فلا : زائدة ، مؤكدة معنى الفعل الذي دخلت عليه ، ومنبهة على أن الموبّخ عليه ترك السجود ، وقيل : الممنوع من الشيء كالمضطر إلى خلافه ، فكأنه قال : ما اضطرك إلى ترك السجود إِذْ أَمَرْتُكَ . وفيه دليل على أن مطلق الأمر للوجوب والفور ، فأجاب بقوله : قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ، أي : المانع لي من السجود هو كونى أنا خير منه ، ولا يحسن للفاضل أن يسجد للمفضول ، فكيف يحسن أن يؤمر به ، فإبليس هو الذي سنّ التكبر ، وقال بالتحسين والتقبيح العقليين أولا ، وبهذا الاعتراض كفر إبليس ؛ إذ ليس كفره كفر جحود . ثم بيّن وجه الأفضلية ، فقال : خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ، فاعتقد أن النار خير من الطين ، وقد غلط في ذلك ، فإن الأفضلية إنما تظهر باعتبار النتائج والثمرات ، لا باعتبار العنصر والمادة فقط ، ولا شك أن الطين ينشأ منه ما لا يحصى من الخيرات ؛ كالثمار والحبوب وأنواع الفواكه . قال البيضاوي : رأى الفضل كله باعتبار العنصر ، وغفل عما يكون باعتبار الفاعل ، كما أشار إليه بقوله تعالى : ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ « 1 » أي : بغير واسطة ، وباعتبار الصورة ، كما نبه عليه بقوله تعالى : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي * وباعتبار الغاية ، وهو ملاكه ، ولذلك أمر الملائكة بالسجود له ؛ لما تبين لهم أنه أعلم منهم ، وأنه له خواصا ليست لغيره . ه .
--> ( 1 ) من الآية 75 من سورة ص .